عبد الملك الجويني
60
الشامل في أصول الدين
فإن قالوا : إثبات الأعراض يمتنع عليكم إذا رمتم إثباتها بتغير الصفات واعتوار التارات ، وهذا غير سديد . فمن يثبت صفات قديمة لذات يستحيل عليها التغير ، وهذا الذي ذكروه عري عن التحصيل ، فإن من شرط الدلالة اطرادها وليس من شرطها انعكاسها . والذي يوضح ذلك أن حدوث العالم يدل على ثبوت المحدث ، ولا يدل عدمه على عدمه . وكذلك الاحكام يدل على علم المحكم ، ولا يدل انتفاؤه على انتفاء العلم . وهكذا سبيل جملة الأدلة العقلية ومدلولها . ويتضح المقصد من ذلك بوجهين : أحدهما : أن من نصب على شيء دليلا ، فلو لزم الحكم بأن عدم الدليل يدل على عدم المدلول ، لكان ذلك نصب دليلين ، وليس على الذي ينصب دليلا ، أن ينصب دليلا آخر سواه . والوجه الآخر : أن الحكم قد تدل عليه أدلة مختلفة ، ولا يشترط إيجاد الدليل اتفاقا ، والعلة هي التي تتحد ، فلا يجوز ثبوت الحكم الواحد بعلتين ، فلا جرم إذا انتفت العلة انتفى الموجب ، وإذا انتفى دليل نفى دليلا آخر . فمن ذلك لزم انعكاس العلل ، ولم يلزم انعكاس الأدلة . ولابن الراوندي « 1 » سؤال يتعلق بالصفات ، وذلك أنه قال : من أثبت للّه تعالى علما قديما ، وزعم أنه كان من أزله عالما ، بأن العالم سيحدث ، وإن لم يكن عالما بأنه حدث ، ثم لما حدث العالم ، اتصف بأنه علم بتحقق الحدوث . فقد اختلف الحكم ، ولم يقتض ذلك زيادة معنى . وسنذكر تحقيق القول فيه في الصفات إن شاء اللّه . على أنا نقول : لم يثبت هذا الوصف الذي قلت إلا بزيادة ، وهو الحدوث ، وغرضنا إثبات زائد على الجملة . فاستبان أن الذي ألزمه ، لا يقدح في مرامنا فإنا نروم الكلام في الجملة ، والذي ذكره كلام في التفصيل . فإن قال قائل : أليس الحدوث عندكم يثبت في الحالة الأولى ، ولا يثبت في الحالة الثانية ، ثم لم يقتض ذلك أن يكون الحدوث معنى ؟ وهذا غير سديد . فإن معظم المحققين
--> ( 1 ) أحمد بن يحيى بن إسحاق ( . . . - 298 ه . . . - 910 م ) ، أبو الحسين الراوندي ، أو ابن الراوندي ، فيلسوف مجاهر بالإلحاد ، من سكان بغداد ، نسبته إلى « راوند » من قرى أصبهان ، له مجالس ومناظرات مع جماعة من علماء الكلام ، ويقال عنه : زنديق ، ماجن . تناقل مترجموه أن له نحو 114 كتابا منها « فضيحة المعتزلة » و « التاج » و « الزمرد » و « نعت الحكمة » وغير ذلك . مات برحبة مالك ابن طوق ، وقيل صلبه أحد السلاطين ببغداد . الأعلام 1 / 267 - 268 ، وفي وفيات الأعيان 1 / 94 - 95 ، وفي مروج الذهب للمسعودي 7 / 237 طبعة باريس وفيهما وفاته سنة 245 ه . لسان الميزان 1 / 323 .